منتدى توابون

حكم دخول الكافر حدود حرم مكة

عرض المقال

 

حكم دخول الكافر حدود حرم مكة
823 زائر
غير معروف
24/5/1431 - الشيخ أحمد بن علي بن صالح

حكم دخول الكافر حدود حرم مكة

24/5/1431 - الشيخ أحمد بن علي بن صالح





تمهيد في بيان أهمية هذه المسألة وحاجة الناس إليها:



إن العلماء قديماً وحديثاً قد تكلموا عن هذه المسألة في مواضع متفرقة من كتبهم؛ ككتب الجهاد، والأحكام السلطانية، وأحكام أهل الذمة، وأحكام الحرم؛ لما لها من أهمية كبيرة، وواقع ملموس في حياة المسلمين؛ وذلك لأنه لا يخلو عصر من العصور، ولا زمان من الأزمنة؛ إلا ويوجد فيه كفار يدخلون بلاد المسلمين؛ على اختلاف طبقاتهم وحاجاتهم وأغراضهم من ذلك، سواء كان هذا الدخول مؤقتاً عارضاً، كالزيارة أو التجارة أو السياحة أو العمل، ونحو ذلك، أو مؤبداً دائماً لغرض السكنى والإقامة، فبين العلماء أقسام هذا الدخول وأنواعه، ومن ذلك دخول جزيرة العرب على سبيل العموم، والحرم المكي على سبيل الخصوص. وانظر تفسير البغوي واللباب لابن عادل الدمشقي الحنبلي عند آية التوبة: "يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس...".



وتشتد الحاجة إلى بيان هذه المسألة في زماننا هذا؛ لما نلحظه من كثرة استقدام واستخدام للكفار في شتى المجالات؛ كالمجالات الطبية والهندسية المعمارية والتجارية. ومجال الخدمة، ويتمثل ذلك في العمالة المنزلية من خادمات وسائقين.



ومن يعاني الإفتاء ويشتغل به يرى كثرة الأسئلة الواردة ممن ابتلوا بهؤلاء الخدم عن مدى جواز إدخالهم إلى حدود الحرم؛ لأجل إيصالهم إلى المسجد الحرام، أو العناية بالأطفال ونحوهم فترة أداء العمرة والمناسك.



فلهذا وغيره أحببت المساهمة ببيان أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وبيان دليل كل قول، ومناقشة ما يمكن مناقشته منها، وكل ذلك على سبيل الإيجاز والاختصار، فإن أصبت فبتوفيق الله تعالى، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.



تعريف الحرم وحدوده:



إذا أطلق لفظ الحرم فإنه يراد به حرم مكة، وإذا قيل: الحرمان، أريد بهما: مكة والمدينة؛ سميتا بذلك؛ لحرمتهما، قاله ابن فارس (مادة : حرم).



قال الله تعالى: "أولم نمكن لهم حرماً آمنا.." الآية، وقال سبحانه: "أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمنا ويتخطف الناس من حولهم" الآية.



قال النووي في المجموع : (7/ 384-385) : (ومعرفة حدود الحرم من أهم ما يعتني به؛ لكثرة ما يتعلق به من الأحكام، وقد اجتهدت في إيضاحه، وتتبع كلام الأئمة في إتقانه على أكمل وجوهه.." ثم ذكرها. وانظر الأحكام السلطانية (ص: 208)



وهذه الحدود معلومة الآن ومحددة بعلامات ظاهرة بينة، قال الشيخ محمد بن عبد الله بن صالح السحيم في بحث له بعنوان (تعظيم الحرم) (ص: 29) : "وقد أعدَّ فضيلة الدكتور عبد الملك بن دهيش دراسة متكاملة عن حدود الحرم ـ بعنوان (الحرم المكي الشريف والأعلام المحيطة به . دراسة تاريخية وميدانية) ـ ضمنها صورا وخرائط ومخططات جوية من واقع القياسات الميدانية؛ ليتمكن من تحديد المسافة التي تبلغها دائرة الحرم، وقد قام بقياسها من واقع الطرق القديمة والحديثة، وخلص إلى التحديد التالي ..." ثم ذكره. وانظر نيل المآرب لابن بسام (2/225).



حكم دخول الكافر الحرم المكي:



اتفق الفقهاء ـ رحمهم الله تعالى ـ على أنه لا يجوز للكفار الاستيطان في حرم مكة؛ لاتفاقهم على أنه لا يجوز للكفار الاستيطان في جزيرة العرب؛ لعموم الأدلة الواردة في الأمر بإخراج المشركين من جزيرة العرب، وشهرتها تغني عن ذكرها، وقد مضى في كلام صاحب اللباب بعضها، وسيأتي بعضها.



في الموسوعة الفقهية الكويتية: (25/125): "سكنى أهل الذمة مع المسلمين إن كانت في جزيرة العرب فلا تجوز باتفاق" اهـ



وقال شيخ الإسلام كما في الاختيارات (ص 319): "ويمنعون من المقام في الحجاز، وهو مكة والمدينة واليمامة وينبع وفدك ونحوها، وما دون المنحنى وهو عقبة الصوان من الشام كمعان؛ لقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا"، والمراد حرم مكة؛ ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" متفق عليه، ولمسلم: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما"اهـ



واختلفوا في دخوله دون استيطان على قولين:



القول الأول: تحريم دخول الكافر حدود الحرم المكي مطلقاً، وإليه ذهب أكثر الفقهاء؛ قال النووي في المجموع: (7/465): "يمنع كل كافر من دخوله مقيما كان أو مارا ؛ هذا مذهبنا ، ومذهب الجمهور" اهـ



وإليك بيان شيء من أقوالهم في ذلك:



قال الإمام الشافعي في الأم (4/188): "وأما مكة فلا يدخل الحرم أحد منهم بحال أبدا ؛ كان لهم بها مال أو لم يكن, وإن غُفل عن رجل منهم فدخلها فمرض أخرج مريضا, أو مات أُخرج ميتا, ولم يدفن بها" اهـ



وقال القرطبي في أحكام القرآن (8/96): "(المسجد الحرام) هذا اللفظ يطلق على جميع الحرم، وهو مذهب عطاء، فإذاً: يحرم تمكين المشرك من دخول الحرم أجمع، فإذا جاءنا رسول منهم خرج الإمام إلى الحل ليسمع ما يقول ، .... فليس لهم الاستيطان ولا الاجتياز، وأما جزيرة العرب ـ وهي مكة والمدينة واليمامة واليمن ومخاليفها ـ فقال مالك: يخرج من هذه المواضع كل من كان على غير الإسلام، ولا يمنعون من التردد بها مسافرين..." إلى آخر كلامه.



وفي مواهب الجليل (3/381): "وقال القرطبي المحدث في شرح حديث ثمامة في كتاب الجهاد من مسلم: ومنع مالك رحمه الله دخول الكفار جميع المساجد والحرم وهو قول عمر بن عبد العزيز وقتادة والمزني انتهى . ولعله يريد بقوله يمنعون دخول الحرم أي الإقامة" أهـ



وفي المغني لابن قدامة (9/286): "فأما الحرم , فليس لهم دخوله بحال. وبهذا قال الشافعي... فإن أراد كافر الدخول إليه, منع منه. فإن كانت معه ميرة أو تجارة, خرج إليه من يشتري منه, ولم يترك هو يدخل. وإن كان رسولا إلى إمام بالحرم, خرج إليه من يسمع رسالته, ويبلغها إياه. فإن قال: لا بد لي من لقاء الإمام ـ وكانت المصلحة في ذلك ـ خرج إليه الإمام, ولم يأذن له في الدخول. فإن دخل الحرم عالما بالمنع عزر, وإن دخل جاهلا نهي وهدد. فإن مرض بالحرم أو مات, أخرج ولم يدفن به; لأن حرمة الحرم أعظم.... وإن دفن, نبش وأخرج, إلا أن يصعب إخراجه; لنتنه وتقطعه. وإن صالحهم الإمام على دخول الحرم بعوض, فالصلح باطل" اهـ



وهذا القول اختيار ابن حزم في المحلى (3/162)، وابن القيم كما في أحكام أهل الذمة (ص: 139 ط: دار الحديث) واختيار اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة (2/99) ، واختيار الشيخ المحدث الألباني؛ كما في الثمر المستطاب (2/777).



ومستند الجمهور في ذلك:



قوله تعالى: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد بعد عامهم هذا).



قال ابن جرير الطبري في تفسيره: "يقول للمؤمنين: فلا تدعوهم أن يقربوا المسجد الحرام بدخولهم الحرم، وإنما عنى بذلك منعهم من دخول الحرم؛ لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا المسجد الحرام" اهـ



وقال القصاب في نكت القرآن (1/517): "وفي قوله : "فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا" دليل على أنه ـ وهو أعلم ـ سمى الحرم كله مسجداً، لمجاورته المسجد؛ إذ لو كان واقعاً على المسجد وحده لجاز للمشركين دخول الحرم إذا تجنبوا المسجد، ومما يؤكد ذلك قوله: "وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء"، وذلك أن المشركين كانوا يقدمون بتجاراتهم إلى الحرم، وكان المسلمون يصيبون من أرباحها، فلما منع المشركون من دخول المسجد الحرام بهذه الآية شق عليهم فوت أرباحهم، وخشوا دخول العيلة عليهم، فنزلت: "وإن خفتم عيلة..." فلو كان النهي واقعاً على المسجد نفسه لا على جميع الحرم لكان دخولهم الحرم بتجاراتهم وإن جنبوا المسجد دارَّا عليهم بالأرباح ولم يخافوا العيلة بفواتها" اهـ المراد. ونحوه في اللباب لابن عادل الدمشقي الحنبلي.



وقال ابن القيم رحمه الله في أحكام أهل الذمة (ص : 142) "فإن قيل: فالآية إنما منعت قربانهم المسجد الحرام خاصة، فمن أين لكم تعميم الحكم للحرم كله؟



قيل: المسجد الحرام يراد به في كتاب الله تعالى ثلاثة أشياء: نفس البيت، والمسجد الذي حوله، والحرم كله.



فالأول: كقوله تعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام).



والثاني: كقوله تعالى: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد) على أنه قد قيل: إن المراد به ها هنا الحرم كله، والناس سواء فيه.



والثالث: كقوله: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام) وإنما أسرى به من داره من بيت أم هانىء.



وجميع الصحابة والأئمة فهموا من قوله تعالى: (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) أن المراد مكة كلها والحرم، ولم يخص ذلك أحد منهم بنفس المسجد الذي يطاف فيه" اهـ المراد من كلامه.



القول الثاني: جواز دخول أهل الذمة ـ خاصة ـ الحرم، وهو مذهب الحنفية.



قال في الهداية: "ولا بأس بأن يدخل أهل الذمة المسجد الحرام" اهـ



وقال في الدر المختار: (6/337): "وأما دخوله المسجد الحرام فذكر في السير الكبير المنع , وفي الجامع الصغير عدمه والسير الكبير آخر تصنيف محمد رحمه الله تعالى - فالظاهر أنه أورد فيه ما استقر عليه الحال انتهى" اهـ



وقال ابن عابدين: "(قوله: فالظاهر أنه أورد فيه ما استقر عليه الحال) أي: فيكون المنع هو المعتمد في المذهب.



قلت: لكن الذي ذكره أصحاب المتون في كتاب الحظر والإباحة أن الذمي لا يمنع من دخول المسجد الحرام وغيره، وذكر الشارح هناك أن قول محمد والشافعي وأحمد المنع من المسجد الحرام، فالظاهر أن ما في السير الكبير هو قول محمد وحده دون الإمام, وأن أصحاب المتون على قول الإمام, ومعلوم أن المتون موضوعة لنقل ما هو المذهب, فلا يعدل عما فيها" اهـ المراد من كلامه.



واستدلوا بما يلي:



أولاً: ما روى شريك عن أشعث عن الحسن عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقرب المشركون المسجد الحرام بعد عامهم هذا إلا أن يكون عبدا أو أمة يدخله لحاجة" ذكره الجصاص في أحكام القرآن، قال في إعلاء السنن (7/583): "والمذكور من السند حسن، والمحدث لا يسقط من أول الإسناد إلا ما كان سالماً" اهـ



وجه الدلالة من الحديث:



قال الجصاص: "فأباح دخول العبد والأمة للحاجة لا للحج , وهذا يدل على أن الحر الذمي له دخوله لحاجة, إذ لم يفرق أحد بين العبد والحر, وإنما خص العبد والأمة ـ والله أعلم ـ بالذكر؛ لأنهما لا يدخلانه في الأغلب الأعم للحج" اهـ.



ثانياً: ما رواه الجصاص في أحكامه: حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال: أخبرنا عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام): إلا أن يكون عبدا أو واحدا من أهل الذمة.



وصحح سنده في إعلاء السنن (7/584)



قال الجصاص: "فوقفه أبو الزبير على جابر, وجائز أن يكونا صحيحين فيكون جابر قد رفعه تارة, وأفتى بها أخرى" اهـ .



ويجاب عن هذين الدليلين: بما قاله الألباني ـ رحمه الله ـ في الثمر المستطاب (2/780) "وأما حديث جابر الذي احتج به أبو حنيفة فلا يصح؛ لأنه من رواية شريك عن أشعث بن سوار عن الحسن عنه، وهو في المسند (3/339 و 392) من طريقين عن شريك، وله علتان..." فذكرهما ثم قال: "وقد جاء بإسناد قوي موقوفا على جابر وهو الصواب ..." ثم قال: "ثم قال أبو بكر الجصاص: (فوقفه أبو الزبير على جابر (يعني ورفعه الحسن) وجائز أن يكونا صحيحين فيكون جابر قد رفعه تارة وأفتى به أخرى)



قلت ـ يعني الألباني ـ وهذا الجمع حسن، ولكنه إنما يصار إليه إذا كان من رفعه حجة في روايته وحفظه، وقد علمت أن في الرواية المرفوعة علتين بخلاف هذه الموقوفة فكانت هي الراجحة" اهـ



ثالثا: ما رواه القاضي أبو يوسف في الخراج: عن زياد بن حدير أنه مر عليه رجل نصراني فأخذ منه العشر أو نصفه، ثم انطلق فباع سلعته، فلما رجع مر عليه فأراد أن يأخذ منه فقال: كلما مررت عليك تأخذ مني؟ فقال: نعم؛ فرحل الرجل إلى عمر بن الخطاب فوجده بمكة يخطب الناس وهو يقول: ألا إن الله جعل البيت مثابة للناس، قال: فقلت له: يا أمير المؤمنين، إني رجل نصراني مررت على زياد بن حدير فأخذ مني ... الحديث، أخرجه أبو يوسف في الخراج، قال في (إعلاء السنن من كتب الحنفية) (7/581): "سنده حسن"



ووجه الدلالة منه ظاهرة؛ حيث لم ينكر عليه عمر ولا أحد ممن حضره دخوله مكة.



ويجاب عنه: بأنه ضعيف؛ فأبو يوسف القاضي صاحب كتاب الخراج ـ وإن كان إماماً في الفقه ـ متكلم فيه ومختلف في الاحتجاج بحديثه، وقد ضعفه البخاري والدارقطني وغيرهما، وشيخه المسعودي قد اختلط، واختلف المحدثون في ضابط المقبول من حديثه والمردود بما لا يتسع المجال لذكره.



أضف إلى ذلك أني لم أجده بهذا اللفظ إلا عند أبي يوسف، بينما رواه ابن أبي شيبة وأبو عبيد والبيهقي بأسانيد مختلفة دون قوله: "فوجده بمكة يخطب الناس وهو يقول: ألا إن الله جعل البيت مثابة للناس" مما يدل على ضعف هذه الزيادة ونكارتها، وحينئذ يبطل الاستدلال بهذا الأثر؛ إذ لا يلزم أنه أتاه في مكة، فربما أنه أتاه في المدينة أو أي مكان آخر غير الحرم. والله أعلم.



رابعاً: أن آية التوبة نبهت على دخولهم الحرم عوضا عن دخول عباد الأوثان؛ فإنه سبحانه قال: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله) فإنها لما نزلت انقطع عنهم ما كان المشركون يجلبون إليهم من الميرة فأعاضهم الله بالجزية.



وأجاب عنه ابن القيم في أحكام أهل الذمة (ص: 142) بقوله: "قيل: ليس في هذا ما يدل على دخول أهل الجزية المسجد الحرام بوجه ما، بل تؤخذ منهم الجزية وتحمل إلى من بالمسجد الحرام وغيره، على أن الإغناء من فضل الله وقع بالفتوح والفيء والتجارات التي حملها المسلمون إلى مكة" اهـ المراد من كلامه.



وأجاب الحنفية عن الآية بما ذكره الجصاص في أحكام القرآن، فقال:



"وإنما معنى الآية على أحد وجهين:



ـ إما أن يكون النهي خاصا في المشركين الذين كانوا ممنوعين من دخول مكة , وسائر المساجد؛ لأنهم لم تكن لهم ذمة, وكان لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف , وهم مشركو العرب.



ـ أو أن يكون المراد منعهم من دخول مكة للحج; ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء يوم النحر في السنة التي حج فيها أبو بكر فيما روى الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: أن أبا بكر بعثه فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك, فأنزل الله تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس) الآية , وفي حديث علي حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يبلغ عنه سورة براءة نادى: ولا يحج بعد العام مشرك, وفي ذلك دليل على المراد بقوله: (فلا يقربوا المسجد الحرام)، ويدل عليه قوله تعالى في نسق التلاوة: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء)، وإنما كانت خشية العيلة لانقطاع تلك المواسم بمنعهم من الحج؛ لأنهم كانوا ينتفعون بالتجارات التي كانت تكون في مواسم الحج, فدل ذلك على أن مراد الآية الحج..." إلى آخر كلامه.



وفي إعلاء السنن (7/582):



"أو الآية محمولة على منعهم أن يدخلوها مستولين عليها ومستعلين على أهل الإسلام، قاله العيني في العمدة" اهـ المراد



ورد شيخ الإسلام على الوجه الأول ـ وهو أن المراد بالمشركين مشركي العرب لا أهل الذمة ـ بقوله كما في الجواب الصحيح: (3/119): (فكذلك لفظ الشرك في مثل قوله: "إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) يدخل فيه جميع الكفار ـ أهل الكتاب وغيرهم ـ عند عامة العلماء؛ لأنه أفرده وجرده، وإن كانوا إذا قرن بأهل الكتاب كانا صنفين" اهـ



وقال ابن القيم في أحكام أهل الذمة (ص: 141): "فصل : وأما أبو حنيفة ـ رحمه الله تعالى ـ فعنده لهم دخول الحرم كله؛ حتى الكعبة نفسها، ولكن لا يستوطنون به، وأما الحجاز فلهم الدخول إليه والتصرف فيه والإقامة بقدر قضاء حوائجهم ، وكأن أبا حنيفة رحمه الله تعالى قاس دخولهم مكة على دخولهم مسجد رسول الله ، ولا يصح هذا القياس ؛ فإن لحرم مكة أحكاما يخالف بها المدينة ؛ على أنها ليست عنده حرما.



فإن قيل: الله سبحانه إنما منع المشركين من قربان المسجد الحرام، ولم يمنع أهل الكتاب منه، ولهذا أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحج الأكبر أنه لا يحج بعد العام مشرك، والمشركون الذين كانوا يحجون هم عبدة الأوثان لا أهل الكتاب، فلم يتناولهم المنع.



قيل: للناس قولان في دخول أهل الكتاب في لفظ المشركين:



الأول: فابن عمر وغيره كانوا يقولون: هم من المشركين...



والثاني: لا يدخلون في لفظ المشركين؛ لأن الله سبحانه جعلهم غيرهم في قوله: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا).



قال شيخنا: والتحقيق أن أصل دينهم دين التوحيد، فليسوا من المشركين في الأصل، والشرك طارىء عليهم، فهم منهم باعتبار ما عرض لهم، لا باعتبار أصل الدين، فلو قدر أنهم لم يدخلوا في لفظ الآية دخلوا في عمومها المعنوي، وهو كونهم نجسا، والحكم يعم بعموم علته" اهـ المراد من كلامه رحمه الله تعالى.



والذي يترجح لي ـ والعلم عند الله تعالى ـ القول الأول؛ قول جمهور أهل العلم القاضي بمنع دخول الكفار الحرم المكي؛ لظاهر الآية؛ واحتراماً وتعظيماً للحرم؛ فإن الكافر لا يؤمن من انتهاك حرمته بقطع شجره أو قتل وتنفير صيده، ونحو ذلك.



وحتى لو قلنا بقول الحنفية فإن ولي أمر المسلمين ـ وفقه الله ـ قد أمر وألزم بعدم دخول الكفار حدود الحرم، فيجب الامتثال لأمره؛ لقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم".



ولهذا قال في إعلاء السنن (7/584): "وليس معنى قول أبي حنيفة: لهم دخول الحجاز كله أن لهم دخول الحجاز والحرم والمساجد بدون إذن الإمام، بل معناه أن نجاسة الكفر لا تمنع دخول الكافر المسجد ولا الحرم ولا الحجاز، فلو أذن لهم الإمام في ذلك جاز بشرط أن يكون الدخول لحاجة، ولا يطيلون به المكث ...



فالخلاف إنما هو في وجوب المنع وعدمه، فقال الشافعي وأحمد بأن منعهم من دخول الحرم والمسجد الحرام واجب على الإمام، وقال أبو حنيفة بعدمه، وأما أن للذمي دخول الحجاز والحرم والمساجد بدون إذن الإمام والمسلمين وأنه مطلق فيه مستبد بذلك فلم يقل به أبو حنيفة ولا أحد من أصحابه ولا أتباعه، بل صرح الجصاص في تفسير قوله تعالى: "أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين" يدل على أن على المسلمين إخراجهم منها إذا دخلوها لولا ذلك ما كانوا بدخولها خائفين" اهـ



ــــــ

قائمة أهم المراجع



1. معجم مقاييس اللغة ؛ لابن فارس.



2. الأحكام السلطانية للماوردي.



3. الأم للشافعي .



4. المجموع شرح المهذب للنووي.



5. المغني لابن قدامة.



6. الإنصاف للمرداوي.



7. الآداب الشرعية لابن مفلح.



8. المحلى لابن حزم.



9. أحكام القرآن للجصاص.



10. أحكام الحرم المكي الشرعية؛ لعبد العزيز الحويطان.



11. أحكام وخصائص الحرمين؛ لعلي بن أحمد القاعدي.



12. الموسوعة الفقهية الكويتية.



13. أحكام أهل الذمة لابن القيم.



14. إعلاء السنن؛ للتهانوي.



15. حاشية ابن عابدين.



16. الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب؛ للألباني.



17. الجواب الصحيح؛ لابن تيمية.



18. نكت القرآن الدالة على أنواع من البيان؛ للقصاب.



19. اللباب في علوم الكتاب؛ لابن عادل الحنبلي.



20. تعظيم الحرم؛ لمحمد بن عبد الله بن صالح السحيم

   طباعة 
 
 

.